صالح المسند
12-22-2007, 04:14 AM
العادات والتقاليد
الــزبير .. تغيرت الجغرافيا .. والتاريخ واحد
تندثر الوقائع أن لم تجد من يهتم بتسجيلها وتنمحي صور الأشخاص والأمكنة ان لم تستطع ومضة ضوء عليها .. وفي الذاكرة الضوئية نحاول أحياء ما قد يندثر أو ينمحي لو ترك لغياهب الظلمة والنسيان .
ومن أهم ما يطبع الناس بصفة معينة . ومن اهم العوامل التي تؤثر في الناس سلوكاً وتفكيراً العامل الديني الذي غالبا ما يكون سائدا في مجتمع دون غيره ولكن في المجتمع الواحد نفسه ، نرى هناك اختلافاً في التقاليد والعادات التي ربما لا تكون جوهرية ، ومع ذلك تميز فئة عن غيرها وربما تكون مثار الإعجاب او الاستهجان من فئة اخرى .
لقد سكنت منطقة الزبير كغيرها من مناطق الجزيرة العربية قبائل نزحت من موطنها الأصلي لتستوطن أماكن أخرى . ومع ان قبائل نجد من ابرز تلك القبائل في الهجرة على مر العصور . الا ا نها كما ذكرنا لا تنفرد بهذه الصفة وعندما نزح بعض اهالي نجد الى منطقة الزبير واستوطنوها جلبوا معهم عاداتهم وتقاليدهم التي توارثوها جيلا بعد جيل عن الأباء والأجداد ، ظلت معهم وعلى مرور الزمن تغيرت بعامل التفاعل مع غيرها في المنطقة ، وظهرت نتيجة لذلك عادات وتقاليد اختصت بأهلها .
ونحاول في هذه العجالة ان ناتي على بعضها لنثير الشجن ونعيد الذكريات . فكما ان الانسان يحيا بالأمل هو ايضا يحتاج الى الذكريات لتجعل للحياة طعما خاصا ينفرد به احدنا عن الاخر وهذه الخصوصية تربطنا بتقاليد وعادات تبقى عزيزة ومحببة وان لم نعد نمارسها .
العـــيد
يحتفل أهالي الزبير كغيرهم من ابناء الأمتين العربية والإسلامية بالعيدين الكبيرين ، عيد الفطر المبارك وعيد الأضحى السعيد ، ويبدأ عيد الفطر المبارك بانتهاء اخر ايام شهر رمضان المبارك . اما عيد الاضحى فيبدأ باليوم العاشر من شهر ذي الحجة والعيد ثلاثة ايام فقط ولقد جرت العادة ان يحتفل العالم الاسلامي كل على طريقته الخاصة والمعبرة واهالي الزبير كغيرهم يحتفلون بالعيد ويعدون له العدة ، ويبدأون بمراسم الاحتفال به قبل مدة من الزمن فتراهم يجهزون الملابس الجديدة ويخيطونها لجميع افراد العائلة كما يقومون بتنظيم وتنظيف وفرش بيوتهم وكذلك الاولاد تراهم يكنسون الشوارع الرئيسية في مناطقهم وينظفونها . وتقوم النسوة بتحضير مستلزمات طبخ يوم العيد كتنظيف الرز وتجهيز القهوة والبخور وماء الورد وغيرها . وما ان يهل فجر اول ايام العيد حتى يستيقظ الناس فيغتسل الرجال والاولاد ويلبسون ملابسهم الجديد ويتطيبون بالعطور والبخور ثم يذهبون الى مصلى العيد لاداء الصلاة وسماع خطبة العيد كما تذهب بعض النساء خاصة كبيرات السن الى مصلى العيد ايضا كذلك اللاتي يوجد من تقوم مقامهن في البيت لتحضير مستلزمات العيد .
صـــلاة العيد
يصلى معظم اهالي الزبير في مصلى العيد على اطراف البلدة وهو واسع المساحة بالنسبة الى جوامعها خال من الفراش ( الصلاة على الارض ) ، وما ان ينتهي الامام من خطبته حتى يخرج الناس الى بيوتهم وهناك يجتمع الرجال كل في منطقته يتبادلون التهاني ويعيد بعضهم بعضا .
ما اجمله من منظر رائع في ذلك الصباح حيث يلتقي الجار بجاره وابناء منطقته بادئين يومهم بحياة جديدة متناسين خلافاتهم الشخصية ان وجدت . يتفقد بعضهم بعضا ، وما ان يكتمل وجود ابناء المنطقة حتى يبدأ كل منهم باخراج الحصير والسفرة ـ ( الحصير للجلوس والسفرة لوضع الطعام عليها والاثنان مصنوعان من سعف النخل ) ـ لفرشها في وسط شارع رئيسي يحدد مسبقا ويراعى فيه ان لا تجئه الشمس مبكرا ويسمى ( المعيد ) ثم يخرج كل منهم طعام العيد الذي غالبا ما يكون من الارز واللحم او الدجاج او الارز المحلى بالسكر (محمر ) مع البيض . وبعد انتهائهم من تناول وجبة العيد تبدأ الزيارات العائلية فيزور الصغير الكبير وترى الاطفال فرحين مسرورين يجوبون الشوارع لتهنئة اقاربهم بالعيد ولتحصيل العيدية المتعارف عليها ( مبالغ نقدية تعطى للاطفال في مناسبات الاعياد ) وبعد جمع هذه العيادي يذهبون بها الى اماكن التسلية ( الدواليب ) .
التهنئة بالعيد
جرت العادة بالنسبة للرجال ان يهنئ بعضهم بعضا في الدواوين ( المجالس ) وبصورة دورية منظمة بين المناطق ، تعارف عليها الناس خلفاً عن سلف فمثلاً تفتح دواوين محلة الرشيدية صباح أول أيام العيد ، ويمر أهالي الزبير وقسم من شخصيات البصرة عليها للتهنئة . ثم تفتح دواوين محلة الشمال عصر ذلك اليوم للغرض نفسه . وهكذا تقسم ايام العيد على جميع مناطق الزبير . ما اجمله من تنظيم رائع اما بالنسبة للنساء فلا يخرجن من البيوت الا لزيارة الأقارب فقط .
تعطيل الأعمال
ومن مظاهر العيد الاخرى في الزبير إقفال جميع المحلات التجارية وتعطيل جميع الاعمال طوال ايام العيد الثلاثة . واخيراً يجب ان لا ننسى العرضة النجدية التي كانت تقام في السوق عصر كل يوم من ايام العيد . تؤديها مجموعة من الرجال المعروفين ، والتي كانت تعطى العيد في الزبير طابعا مميزا واخر الرجال الذين استمروا على هذا التقليد شخص يدعى (( الوكس )) يرحمه الله الذي اتحف الجمهور وساهم في المحافظة على هذا الفن لعشرات السنين .
الزواج
للزواج في الزبير مراسم خاصة به كغيره من المناسبات الاخرى وقبل البدء في تفاصيل تلك المراسم والحديث عنها هناك ملاحظة يجب ان نذكرها ، وهي ان معظم الزبيريين لا يتصاهرون الا فيما بينهم . ويغلب عليهم الطابع العشائري في بعض الاحيان فغالباً ما تكون البنت لابن عمها كما انه في الغالب لا ترفض من يتقدم لخطبتها بل أن والدها او ولي امرها هو صاحب الكلمة الاولى والاخيرة في ذلك اقتناعاً منها بانهم لن يقبلوا لها الا بالزواج الصالح .
الخطبة
تبدأ مراسم الزواج بالخطبة وهي ان يقوم والد الزوج او ولي امره بالاتصال شفهيا او كتابيا بوالد البنت او ولي أمرها وطلبها زوجة لابنه ، او تتم هذه العملية عن طريق طرف ثالث رجلاً كان او امرأة . وعادة ما تكون امرأة وتسمى ( الخطابة ) وتكون لديها معلومات اولية عن بنات المنطقة بحكم علاقتها بأمهاتهن . فتقوم بعرض عدد من اسماء البنات على والدة الزوج وتختار الاخرى من تراها مناسبة لابنها من الناحية الاجتماعية وتكلف ( الخطابة ) بخطبتها من اهلها . وجرت العادة ان يطلب اهل البنت بعد خطبة ابنتهم مهلة أسبوع او أسبوعين للرد عليهم وذلك للاستفسار عن الشخص واخلاقه وهل يصلح للزواج ام لا . بعدها يكون ردهم بالقبول او الرفض الذي يتم باسلوب لبق واخلاق الاعتذار المقبولة كصغر سن البنت وغيره . اما في حالة القبول فيقوم اهل الزوج بارسال ( الذرة ) المهر المعجل ، وهو مبلغ من المال شرعه الله في كتابه ولا يلتزم الزبيريون بمبالغ اخرى مؤجلة كما ان المبلغ هو تجهيز العروس بما تحتاجه من ملابس وحلى لأن الزوج المسؤول عن تاثيث بيت الزوجية او غرفته فيما اذا كان يسكن مع اهله .
عقد القران
بعد ارسال ( الذرة ) الى اهل العروس يتفق الطرفان على موعد العقد الشرعي ، ( عقد المهر او القران ) وغالبا ما كان يتم بعد صلاة العصر او العشاء ويقوم به امام احد المساجد القريبة وتتم العملية في بيت الزوج بحضور شاهدين وعدد محدود من الاقارب .
بعد العقد الشرعي يتفق على موعد ليلة الزفاف وقد جرت العادة ان تكون ليلة الجمعة او الاثنين . في تلك الليلة يؤدي الزوج صلاة العشاء في المسجد القريب من منزله وبعد انتهاء الصلاة يخرج من المسجد مزفوفا متوجها الى منزله مشيا على الاقدام يحيط به اقرباؤه وجميع المدعوين يتقدمهم حملة الفوانيس النفطية ( للوكسات ) ، وضاربوا الطبول . وبعد وصولهم الى ديوانية الزوج يتناول الجميع هناك القهوة الحلوة ثم يطاف عليه بماء الورد والبخور واذا كام منزل الزوج صغيراً تطلب ديوانية اقرب المجاورين اليه ولا حرج في ذلك . بل العكس انه واجب ومن حقوق الجار على جاره .
ليلة الدخلة
بعد تناول القهوة يقوم الجميع بتقديم التهاني واحداً بعد الاخر للزوج الذي يقف ليرد عليهم عبارات التهنئة فيقولون له : ( بالمبارك ان شاء الله . منك المال ومنها العيال ) فيرد عليهم : ( مبارك علينا وعليكم ان شاء الله ) . وهكذا حتى يخرج الجميع ولا يبقى سوى عدد قليل جدا كإخوانه واقرب الناس اليه فياخذونه الى غرفته يزفونه وسط هلاهيل ( زغاريد ) النساء المحجبات والمنتشرات فوق السطح ثم يخرجون ويتركونه وحده . بعد ذلك تاتي والدته ، وقريباته لتقديم التهنئة ايضاً في هذه الاثناء تكون العروس قد احضرت معها الهدية المتعارف عليها وهي دشداشة ( ثوب ) للزوج مع ابريق وغسال ثم تجلس في غرفة اخرى وبعد انتهاء الجميع من تقديم التهاني للزوج تقوم احدى النساء المتخصصات ( المدخلة ) بادخال العروس عى عريسها ويقوم هو باستلامها منها ثم تغلق باب الغرفة وتجلس عنده ثم يصلي ركعتين تيمنا بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم .
اليوم التالي
وفي صباح اليوم التالي تفتح المدخلة الباب بامر من العريس وتحضر لهما طعام الفطور الخاص بهما وبعد خروجه تاتي والدة الزوجة وبعض من قريباتها للاطمئنان عليها بعد تلك الليلة التي تعتبر من اهم الليالي في حياتها . وبهذه المناسبة فقد جرت العادة أن يقوم العريس بعمل وليمة غداء كبيرة يدعو اليها الاقارب والاصدقاء والجيران وغالباً ما تكون الوليمة من التمن ( الارز ) واللحم ومن لون وطعم خاص حيث يعتني بها وتسمى ( ضيفة ) يرسل جزء منها الى اهل الزوجة واقاربها وتتم هذه في اول يوم للزواج .
دعوة الأقرباء
في عصر اول يوم من ايام من ايام الزواج يقوم اهل الزوج بعمل حفلة ( تسيورة ) خاصة بالنساء يدعى لها قريبات الزوج واهل الزوجة وقريباتها وتجلس العروس وسط الجميع بكامل زينتها ومعها موجوداتها . وتحضر نساء المنطقة للاطلاع على تلك الحفلة وتقييمها والتمتع بؤية الموجودات وما يلبسن من ملابس وتبقى النساء غير المدعوات متغطيات بالعباءة والبوشية ويسمـين ( المغاتير ) .
واخيراً قبل ان ننهي كلامنا عن هذه العادة يجب ان لا ننسى ملاحظة مهمة تعطينا صورة واضحة وصادقة عن مدى التعاون القائم بين ابناء المجتمع في جميع المجالات ومنها مجال الزواج حيث يمد الجار جاره بكل ما يحتاجه في هذه المناسبة من ملبس وفرش ومال وحتى بيته ، يجعله تحت تصرف جاره اذا احتاج اليه . وكانت هذه العادات سائدة حتى منتصف القرن العشرين تقريباً .
رمضان في الزبير
الاحتفال بشهر رمضان المبارك عادة معروفة في جميع أنحاء العالم الإسلامي . ويحتفل الناس به كل على طريقته الخاصة وفق تعاليم الدين الإسلامي السمحة وفي الزبير يبدأ الناس استعدادهم لاستقال هذا الشهر الكريم قبل مدة من حلوله فيقومون بشراء المواد الغذائية الخاصة بهذا الشهر الكريم لتنظيفها وتجهيزها كالهريس والعدس والبرغل والبهارات .
رؤية الهلال
وما ان يحل اخر يوم من شهر شعبان حتى يستعد الناس لمراقبة هلال رمضان . يصعد الرجال الى اسطح المساجد وعلى المآذن كما تصعد النساء والاطفال الى اسطح المنازل . وما ان تثبت رؤية الهلال شرعاً حتى يقوم ابو طبيلة ( قارع الطبل ) بالتجول في شوارع البلدة معلناً للناس بداية شهر رمضان . وفي هذا الشهر الكريم يحرص الناس على تأدية جميع الصلوات في المساجد كما تؤدي بعض النساء صلاة التراويح والقيام في المساجد ايضاً ويجتهد الجميع بما فيهم صغار السن في قراءة القرآن وختمه . ويقوم العلماء وطلية العلم بالقاء المحاضرات والدروس في المساجد يومياً ويتبادل الناس الزيارات للتهنئة بحلوله كما يتفقد بعضهم بعضا ويحسن غنيهم الى فقيرهم .
دعوة الفقراء
جرت العادة ان يقوم بعض الأغنياء بدعوة عدد من الفقراء في مناطقهم لتناول طعام الافطار عندهم طوال ايام الشهر الفضيل ، كما يلتزمون بكسوتهم للعيد ويقوم قسم اخر من الناس بارسال طعام الافطار الى المساجد حيث يتواجد عدد من الفقراء . ويتميز طعام شهر رمضان المبارك في الزبير عن باقي ايام السنة بوجود بعض الاكلات الخاصة والمعروفة ، كالهريس والتشريب والشوربة وخبز العروق واللقيمات ( خبز العروق قطع مستديرة من العجين المخلوط باللحم المفروم والبصل تقلى بالدهن ويوضع عليها قليل من السكر المطحون ) اما اللقيمات فهي كرات صغيرة من العجين تقلى بالدهن وتحلى بمحلول السكر ( الشيرة ) ومن الاشياء المميزة لهذا الشهر وجود ( أبو طبيلة ) الذي ذكرناه والمشهور بيقاعه الخاص على الطبل في منتصف كل ليلة من ليالي رمضان لإيقاظ الناس لاعداد طعام السحور . اما الأسواق فتكون عامرة بأنواع الحلويات الخاصة برمضان كالزلابية والبقلاوة وتزدهر بعض الدواوين ( المجالس ) بالرجال والشباب وبالألعاب المميزة كلعبة ( المحيبس ) المشهورة ، ونظراً الى ما لهذا الشهر من منزلة خاصة في نفوس الناس يحرص الكثيرون على تادية جميع فروض الصلاة في المساجد كما تذهب النساء ايضا للمساجد لصلاة العشاء والتراويح والقيام بالعشر الأواخر حيث يصلين في أماكن خاصة جهزت في تلك المساجد .
ليلة النصف والقريش والقرقيعان
المقصود بليلة النصف ليلة 15 من شعبان وهي ليلة لها منزلة خاصة في الزبير لا سيم عند الأطفال فقد كانوا يحتفلون فيها ويعدون لها العدة بشراء الشموع الملونة والالعاب النارية ( عين الشمس والجراغي ) كما كان بعضهم يصنعون لعبة خاصة من نوع معين من المفاتيح يضربونها بجسم صلب فتحدث اصوات فرقعة قوية بعد ان يعبئوها بالبارود الذي يستخرجونه من اعواد الثقاب ويقضون ليلتهم يلعبون في الطرقات بالقرب من بيوتهم ثم يكملون تلك الليلة بالتجمع في احد البيوت ليكملوا سهرتهم بتناول بعض الماكولات البسيطة التي اشتروها بما جمعوه من مبالغ يدفع كل منهم ما عليه من حصة منها تسسمى ( الحطة ) وحرصا على الاهتمام بتلك الليلة وما لها من موقع في قلوب الناس فقد كان بعض الاطفال يلبسون الدشاديش ( الاثواب ) لهذه المناسبة .
القريش
من العادات التي كانت شائعة ايضا تجمع النساء على شكل مجموعات في البيوت في مختلف المناطق في اخر يوم من شهر شعبان حيث تقوم كل واحدة منهم بجلب طعام الخاص بها ويجلسن معا على مائدة طويلة تكون غالبا متنوعة الاكلات في حفلة بديعة لتوديع شهر شعبان واحتفاء باستقبال شهر رمضان المبارك وتسمى ( القريش ) .
القرقيعان
للقرقيعان اهمية كبيرة في نفوس الناس جميعا لا سيما الاطفال بنين وبنات والاحتفال بالقرقيعان هو قيام الاطفال بالتجول في الشوارع والازقة متنقلين من بيت الى بيت لجمع القرقيعان وهو عبارة عن خليط من المكسرات في اكياس معلقة في رقابهم كانت الامهات تخيطها مسبقاً لهذه المناسبة ويحملها الاطفال مرددين في تجوالهم اهازيجهم الحلوة المعروفة وهي :
قرقيعان قرقيعان
بين قصير ورمضان
عطونا الله يعطيكم
لبيت مكة يوديكم
يا مكة يا معمورة
يا ام السلاسل والذهب يا نورة
فكوا الكيس واعطونا
لو ما ( اسم الطفل ) ما جينا
يلله خله لمه
عسى البقعي ما تطمه
عاداتهم عند الموت
في الزبير اذا مات احدهم يغسل ويكفن وفق الشريعة الإسلامية وأول عمل يقوم به اهل الميت احضار المغسل ( طاولة من الخشب البسيط يحمل عليها الميت ) والنعش : نقالة من الخشب البسيط يحمل عليه الميت والمغسل والنعش هما عادة يكونان موجودين في اكثر المساجد لاستعمالها حين الحاجة يصنعهما اهل الخير على حسابهم ويضعونها تحت تصرف الجميع ابتغاء ثواب الله كما يحضرون الكفن ومستلزماته من اناس اشتهروا بتجهيزه ويجب ان لا ننسى ان خياطة الكفن تقوم به مجموعة من النساء الكبيرات في السن حيث يسرن الى بيت المتوفي فور سماعهن بخبر الموت من اجل كسب الثواب بعد ذلك يبلغ مختار ( العمدة ) المنطقة بالوفاة ليقوم بدوره بابلاغ اهالي المنطقة ( الرجال فقط ) بالوفاة واعلامهم بموعد الدفن حيث يجتمعون امام منزل المتوفى والحضور ليس ملزما للجميع وبعد غسله وتكفينه يحملونه على الاكتاف الى المسجد وغالباً ما كان مسجد ( الدوازة ) لموقعه وسط السوق ولقربه من المقبرة فيصلون عليه ثم يذهبون به الى المقبرة لدفنه .. وكان معظم الزبيريين و لا يزالون يحرصون على الذهاب الى المقبرة مع كل ميت لكسب الثواب بعد الدفن .
يقف اقاربه صفا واحداً لتلقي التعازي من المشيعين ، ويجدر التنويه الى ان الزبيريين لا يحرصون على وضع العلامات الفارقة او البنيان على القبور تيمنا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله اهل القبور الدارسة ) اما النساء فلا يخرجن الى المقبرة ولا يظهرن من الحزن الا القليلفلا صراخ ولا عويل ولا نواح او لطم على الخدود فهذه كلها عادات غير معروفة في الزبير .. وجرت العادة ان يقوم جيران اهل الميت بطبخ طعام الغداء وتقديمه اليهم لمدة ثلاثة ايام فقط تيمناً بعمل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما امر اهله ان يصنعوا طعاما لأهل جعفر بن ابي طالب وقال ( اصنعوا الطعام لآل جعفر فقد اتاهم ما يشغلهم ) .
التداوي
كان اهالي الزبير كغيرهم من سكان المناطق الاخرى يعتمدون في التداوي على الطب العربي القديم ويتعالجون من الامراض بوسائل خاصة الفوها وتوارثوها كان يقوم بدور الطبيب بعض الشيوخ والعجائز الذين كانوا يعالجون مرضاهم بوصف بعض انواع الحشائش والاعشاب البرية وتركيبها وقد اشتهر كثير من هؤلاء في معالجة العظام وتجبيرها كما كان الكي وقراءة بعض الايات القرانية والادعية هو نوع اخر من انواع العلاج وخاصة في الامراض العصيبة حيث كانوا يعالجونها بقراءة بعض الايات القرانية والادعية على المريض نتيجة لانعدام التشخيص وعدم وجود الادوية فقد كانت الامراض وخاصة المعدية منها تجتاح المناطق بين حين واخر وتنتشر بين الناس كانتشار النار في الهشيم وتفتك بهم واهم تلك الامراض الجدري والسل والكوليرا اضافة الى الامراض المنتشرة الاخرةى كالرمد والسعال الديكي وغيرهما وقد اشتهر بالطب القديم اناس كثيرون تخصصوا في انواع الامراض وعلاجها ومنهم السيد مثال المطيري والسيد حسن المبيض والسيد حمود المحيسن والسيد زامل المسفر كما اشتهر السيد جاسم الشريدة بامراض الاسنان وقلعها اما عملية الختان ( التطهير ) فقد كان يقوم بها بها اكثر الحلاقين واشهرهم السيد عبد القادر المزن وجاسم العوام وقد استمرت هذه الحالة الى سنة 1915م حيث افتتح في الزبير اول مستوصف حكومي وكان ذلك في شهر تموز وكانت امراض العيون هي الشائعة في ذلك الوقت ، ونتيجة لقلة المراجعين فقد اغلق واعيد فتحه اكثر من مرة كان اخرها فتحه بصورة منتظمة في شهر تموز من عام 1921م ونتيجة لانتشار المستوصفات الحكومية التدريجي قل استعمال الطب العربي القديم وبدا الناس من تلقاء انفسهم ي1ذهبون للتلقيح ضد الامراض السارية وانتشر الوعي الصحي بينهم .
القنص
من المعروف لاكثر الناس هوايات مفضلة يمارسونها سواء اكانت للرياضة ام لقضاء الوقت وتنمية المواهب والقنص ( الصيد البري ) هو احد هذه الهوايات التي ولع بها بعض اهالي الزبير ولعا كبيراً يخرجون الى الصحراء متحملين جمي انواع المتاعب في سبيل اشباع رغباتهم بهذه الهواية المحببة اليهم منهم من كان يخرج للقنص ليوم واحد فقط وبعضهم من يبقى اياما عديدة وقد تصل الى الشهر او اكثر لم تكن هذه الهواية جديد عليهم فقد كانوا قديما يخرجون الى القنص على ظهور الخيول والجمال ويستعملون في صيدهم البنادق النارية والصقور والكلاب السلوقية التي تستعمل لصيد الظباء والأرانب اما الصقور فكانت الحبارى وكانوا يقومون بترويض هذه الحيوانات وتدريبها وللقنص مناطق خاصة يكثر فيها الصيد وقديما اشتهرت مناطق ( العوجة والطيب واجربيعات وابو خويمة والدكاك والعذبى والبطني وبنايا المشري وكابدة ) وغيرها الكثير .. وللصيد مواسم ايضا فالظباء تكثر في فصل الصيف حيث يكمنون لها عند موارد المياه والارانب في ليالي الصيف المقمرة اما الحبارى وباقي انواع الطيور فتكثر في فصل الربيع .. وقد تقلصت هواية الصيد حالياً بشكل ملحوظ منها قلة الصيد في المناطق القريبة من المدن بسبب كثرة الاسلحة النارية ووجود السيارات وانتشارها في كل مكان مما ساعد على قتل اعداد كبيرة من الحيوانات البرية وسبب منع الحكومة الصيد حفاظا على تلك الانواع من الطيور والحيوانات من الانقراض .
ركب الحجيج
من عادات اهل الزبير القديمة الاحتفال بتوديع الحجاج واستقبالهم وجرت العادة ان يبدا الاستعداد لتلك الرحلة قبل مدة ليست بالقصيرة يقوم من نوى الحج بتجهيز ما يحتاج من ماكل وملبس ووسيلة نقل بالاضافة الى انهاء جميع ما له وما عليه من التزامات مادية وغيرها مع الآخرين الى غير ذلك من الأمور الاخرى وكما ان للسفر استعدادته فالقدوم له ايضا استعدادات اخرى حيث يحتفل الناس بعودة الحجاج بزيارة بيوتهم ويقدمون لهم التهاني بسلامة العودة والطلب الى الله عز وجل ان يتقبل حجتهم ويغفر لهم ذنوبهم وبهذه المناسبة يوزع الحجاج هداياهم التي جلبوها من الاراضي المقدسة وغالبا ما تكون سجاجيد الصلاة او المساويك اوالمسابيح وماء زمزم وغيرها من لعب الاطفال .
ختام القول
مهما قيل ويقال في الرخاء الاقتصادي والتقدم العلمي بوسائل الراحة التي اتيحت لنا في كل مرافق الحياة يبقى الحنين الى الماضي امرا محببا الى النفس لا لأننا افتقدناه بل لأنه يذكرنا بجزء عزيز وغال من حياتنا وعادات وتقاليد تبدو مرتبطة بنا تشدنا الىالماضي او الى ايام الطفولة والشباب ومن منا لا يحب ان يعود الى تلك الايام .
ذكريات الانسان محببة الى نفسه وغالبا ما يتذكرها عندما يكون وحيداً ولكن النسيان الذي يخيم على رؤوسنا يكون واحياناً نعمة احيانا غير ذلك ولأننا لا نستطيع ان نتذكر كل ما نريده فإننا نحتاج الى من يذكرنا به وهذا ما قصدناه بالروع الى الماضي وازحنا الغبار عن جزء منه واكاد اسمع الكبار من القراء وهم يقرأون يرددون ( الله الله يا زمان ، رحم الله تلك الايام ذهبت ولن ترجع ) .
هوامش
* كتاب ( لمحات من ماضي الزبير ) لمؤلفه الاستاذ محمد بن سعد الرقراق .
* (مدينة الزبير في صور ) لمؤلفه الاستاذ محمد بن عبد المجيد الحميدان -----
الأستاذ / صالح الذكير ( رحمه الله )
الاثنين 8 ربيع الاخر 1421هـ
الــزبير .. تغيرت الجغرافيا .. والتاريخ واحد
تندثر الوقائع أن لم تجد من يهتم بتسجيلها وتنمحي صور الأشخاص والأمكنة ان لم تستطع ومضة ضوء عليها .. وفي الذاكرة الضوئية نحاول أحياء ما قد يندثر أو ينمحي لو ترك لغياهب الظلمة والنسيان .
ومن أهم ما يطبع الناس بصفة معينة . ومن اهم العوامل التي تؤثر في الناس سلوكاً وتفكيراً العامل الديني الذي غالبا ما يكون سائدا في مجتمع دون غيره ولكن في المجتمع الواحد نفسه ، نرى هناك اختلافاً في التقاليد والعادات التي ربما لا تكون جوهرية ، ومع ذلك تميز فئة عن غيرها وربما تكون مثار الإعجاب او الاستهجان من فئة اخرى .
لقد سكنت منطقة الزبير كغيرها من مناطق الجزيرة العربية قبائل نزحت من موطنها الأصلي لتستوطن أماكن أخرى . ومع ان قبائل نجد من ابرز تلك القبائل في الهجرة على مر العصور . الا ا نها كما ذكرنا لا تنفرد بهذه الصفة وعندما نزح بعض اهالي نجد الى منطقة الزبير واستوطنوها جلبوا معهم عاداتهم وتقاليدهم التي توارثوها جيلا بعد جيل عن الأباء والأجداد ، ظلت معهم وعلى مرور الزمن تغيرت بعامل التفاعل مع غيرها في المنطقة ، وظهرت نتيجة لذلك عادات وتقاليد اختصت بأهلها .
ونحاول في هذه العجالة ان ناتي على بعضها لنثير الشجن ونعيد الذكريات . فكما ان الانسان يحيا بالأمل هو ايضا يحتاج الى الذكريات لتجعل للحياة طعما خاصا ينفرد به احدنا عن الاخر وهذه الخصوصية تربطنا بتقاليد وعادات تبقى عزيزة ومحببة وان لم نعد نمارسها .
العـــيد
يحتفل أهالي الزبير كغيرهم من ابناء الأمتين العربية والإسلامية بالعيدين الكبيرين ، عيد الفطر المبارك وعيد الأضحى السعيد ، ويبدأ عيد الفطر المبارك بانتهاء اخر ايام شهر رمضان المبارك . اما عيد الاضحى فيبدأ باليوم العاشر من شهر ذي الحجة والعيد ثلاثة ايام فقط ولقد جرت العادة ان يحتفل العالم الاسلامي كل على طريقته الخاصة والمعبرة واهالي الزبير كغيرهم يحتفلون بالعيد ويعدون له العدة ، ويبدأون بمراسم الاحتفال به قبل مدة من الزمن فتراهم يجهزون الملابس الجديدة ويخيطونها لجميع افراد العائلة كما يقومون بتنظيم وتنظيف وفرش بيوتهم وكذلك الاولاد تراهم يكنسون الشوارع الرئيسية في مناطقهم وينظفونها . وتقوم النسوة بتحضير مستلزمات طبخ يوم العيد كتنظيف الرز وتجهيز القهوة والبخور وماء الورد وغيرها . وما ان يهل فجر اول ايام العيد حتى يستيقظ الناس فيغتسل الرجال والاولاد ويلبسون ملابسهم الجديد ويتطيبون بالعطور والبخور ثم يذهبون الى مصلى العيد لاداء الصلاة وسماع خطبة العيد كما تذهب بعض النساء خاصة كبيرات السن الى مصلى العيد ايضا كذلك اللاتي يوجد من تقوم مقامهن في البيت لتحضير مستلزمات العيد .
صـــلاة العيد
يصلى معظم اهالي الزبير في مصلى العيد على اطراف البلدة وهو واسع المساحة بالنسبة الى جوامعها خال من الفراش ( الصلاة على الارض ) ، وما ان ينتهي الامام من خطبته حتى يخرج الناس الى بيوتهم وهناك يجتمع الرجال كل في منطقته يتبادلون التهاني ويعيد بعضهم بعضا .
ما اجمله من منظر رائع في ذلك الصباح حيث يلتقي الجار بجاره وابناء منطقته بادئين يومهم بحياة جديدة متناسين خلافاتهم الشخصية ان وجدت . يتفقد بعضهم بعضا ، وما ان يكتمل وجود ابناء المنطقة حتى يبدأ كل منهم باخراج الحصير والسفرة ـ ( الحصير للجلوس والسفرة لوضع الطعام عليها والاثنان مصنوعان من سعف النخل ) ـ لفرشها في وسط شارع رئيسي يحدد مسبقا ويراعى فيه ان لا تجئه الشمس مبكرا ويسمى ( المعيد ) ثم يخرج كل منهم طعام العيد الذي غالبا ما يكون من الارز واللحم او الدجاج او الارز المحلى بالسكر (محمر ) مع البيض . وبعد انتهائهم من تناول وجبة العيد تبدأ الزيارات العائلية فيزور الصغير الكبير وترى الاطفال فرحين مسرورين يجوبون الشوارع لتهنئة اقاربهم بالعيد ولتحصيل العيدية المتعارف عليها ( مبالغ نقدية تعطى للاطفال في مناسبات الاعياد ) وبعد جمع هذه العيادي يذهبون بها الى اماكن التسلية ( الدواليب ) .
التهنئة بالعيد
جرت العادة بالنسبة للرجال ان يهنئ بعضهم بعضا في الدواوين ( المجالس ) وبصورة دورية منظمة بين المناطق ، تعارف عليها الناس خلفاً عن سلف فمثلاً تفتح دواوين محلة الرشيدية صباح أول أيام العيد ، ويمر أهالي الزبير وقسم من شخصيات البصرة عليها للتهنئة . ثم تفتح دواوين محلة الشمال عصر ذلك اليوم للغرض نفسه . وهكذا تقسم ايام العيد على جميع مناطق الزبير . ما اجمله من تنظيم رائع اما بالنسبة للنساء فلا يخرجن من البيوت الا لزيارة الأقارب فقط .
تعطيل الأعمال
ومن مظاهر العيد الاخرى في الزبير إقفال جميع المحلات التجارية وتعطيل جميع الاعمال طوال ايام العيد الثلاثة . واخيراً يجب ان لا ننسى العرضة النجدية التي كانت تقام في السوق عصر كل يوم من ايام العيد . تؤديها مجموعة من الرجال المعروفين ، والتي كانت تعطى العيد في الزبير طابعا مميزا واخر الرجال الذين استمروا على هذا التقليد شخص يدعى (( الوكس )) يرحمه الله الذي اتحف الجمهور وساهم في المحافظة على هذا الفن لعشرات السنين .
الزواج
للزواج في الزبير مراسم خاصة به كغيره من المناسبات الاخرى وقبل البدء في تفاصيل تلك المراسم والحديث عنها هناك ملاحظة يجب ان نذكرها ، وهي ان معظم الزبيريين لا يتصاهرون الا فيما بينهم . ويغلب عليهم الطابع العشائري في بعض الاحيان فغالباً ما تكون البنت لابن عمها كما انه في الغالب لا ترفض من يتقدم لخطبتها بل أن والدها او ولي امرها هو صاحب الكلمة الاولى والاخيرة في ذلك اقتناعاً منها بانهم لن يقبلوا لها الا بالزواج الصالح .
الخطبة
تبدأ مراسم الزواج بالخطبة وهي ان يقوم والد الزوج او ولي امره بالاتصال شفهيا او كتابيا بوالد البنت او ولي أمرها وطلبها زوجة لابنه ، او تتم هذه العملية عن طريق طرف ثالث رجلاً كان او امرأة . وعادة ما تكون امرأة وتسمى ( الخطابة ) وتكون لديها معلومات اولية عن بنات المنطقة بحكم علاقتها بأمهاتهن . فتقوم بعرض عدد من اسماء البنات على والدة الزوج وتختار الاخرى من تراها مناسبة لابنها من الناحية الاجتماعية وتكلف ( الخطابة ) بخطبتها من اهلها . وجرت العادة ان يطلب اهل البنت بعد خطبة ابنتهم مهلة أسبوع او أسبوعين للرد عليهم وذلك للاستفسار عن الشخص واخلاقه وهل يصلح للزواج ام لا . بعدها يكون ردهم بالقبول او الرفض الذي يتم باسلوب لبق واخلاق الاعتذار المقبولة كصغر سن البنت وغيره . اما في حالة القبول فيقوم اهل الزوج بارسال ( الذرة ) المهر المعجل ، وهو مبلغ من المال شرعه الله في كتابه ولا يلتزم الزبيريون بمبالغ اخرى مؤجلة كما ان المبلغ هو تجهيز العروس بما تحتاجه من ملابس وحلى لأن الزوج المسؤول عن تاثيث بيت الزوجية او غرفته فيما اذا كان يسكن مع اهله .
عقد القران
بعد ارسال ( الذرة ) الى اهل العروس يتفق الطرفان على موعد العقد الشرعي ، ( عقد المهر او القران ) وغالبا ما كان يتم بعد صلاة العصر او العشاء ويقوم به امام احد المساجد القريبة وتتم العملية في بيت الزوج بحضور شاهدين وعدد محدود من الاقارب .
بعد العقد الشرعي يتفق على موعد ليلة الزفاف وقد جرت العادة ان تكون ليلة الجمعة او الاثنين . في تلك الليلة يؤدي الزوج صلاة العشاء في المسجد القريب من منزله وبعد انتهاء الصلاة يخرج من المسجد مزفوفا متوجها الى منزله مشيا على الاقدام يحيط به اقرباؤه وجميع المدعوين يتقدمهم حملة الفوانيس النفطية ( للوكسات ) ، وضاربوا الطبول . وبعد وصولهم الى ديوانية الزوج يتناول الجميع هناك القهوة الحلوة ثم يطاف عليه بماء الورد والبخور واذا كام منزل الزوج صغيراً تطلب ديوانية اقرب المجاورين اليه ولا حرج في ذلك . بل العكس انه واجب ومن حقوق الجار على جاره .
ليلة الدخلة
بعد تناول القهوة يقوم الجميع بتقديم التهاني واحداً بعد الاخر للزوج الذي يقف ليرد عليهم عبارات التهنئة فيقولون له : ( بالمبارك ان شاء الله . منك المال ومنها العيال ) فيرد عليهم : ( مبارك علينا وعليكم ان شاء الله ) . وهكذا حتى يخرج الجميع ولا يبقى سوى عدد قليل جدا كإخوانه واقرب الناس اليه فياخذونه الى غرفته يزفونه وسط هلاهيل ( زغاريد ) النساء المحجبات والمنتشرات فوق السطح ثم يخرجون ويتركونه وحده . بعد ذلك تاتي والدته ، وقريباته لتقديم التهنئة ايضاً في هذه الاثناء تكون العروس قد احضرت معها الهدية المتعارف عليها وهي دشداشة ( ثوب ) للزوج مع ابريق وغسال ثم تجلس في غرفة اخرى وبعد انتهاء الجميع من تقديم التهاني للزوج تقوم احدى النساء المتخصصات ( المدخلة ) بادخال العروس عى عريسها ويقوم هو باستلامها منها ثم تغلق باب الغرفة وتجلس عنده ثم يصلي ركعتين تيمنا بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم .
اليوم التالي
وفي صباح اليوم التالي تفتح المدخلة الباب بامر من العريس وتحضر لهما طعام الفطور الخاص بهما وبعد خروجه تاتي والدة الزوجة وبعض من قريباتها للاطمئنان عليها بعد تلك الليلة التي تعتبر من اهم الليالي في حياتها . وبهذه المناسبة فقد جرت العادة أن يقوم العريس بعمل وليمة غداء كبيرة يدعو اليها الاقارب والاصدقاء والجيران وغالباً ما تكون الوليمة من التمن ( الارز ) واللحم ومن لون وطعم خاص حيث يعتني بها وتسمى ( ضيفة ) يرسل جزء منها الى اهل الزوجة واقاربها وتتم هذه في اول يوم للزواج .
دعوة الأقرباء
في عصر اول يوم من ايام من ايام الزواج يقوم اهل الزوج بعمل حفلة ( تسيورة ) خاصة بالنساء يدعى لها قريبات الزوج واهل الزوجة وقريباتها وتجلس العروس وسط الجميع بكامل زينتها ومعها موجوداتها . وتحضر نساء المنطقة للاطلاع على تلك الحفلة وتقييمها والتمتع بؤية الموجودات وما يلبسن من ملابس وتبقى النساء غير المدعوات متغطيات بالعباءة والبوشية ويسمـين ( المغاتير ) .
واخيراً قبل ان ننهي كلامنا عن هذه العادة يجب ان لا ننسى ملاحظة مهمة تعطينا صورة واضحة وصادقة عن مدى التعاون القائم بين ابناء المجتمع في جميع المجالات ومنها مجال الزواج حيث يمد الجار جاره بكل ما يحتاجه في هذه المناسبة من ملبس وفرش ومال وحتى بيته ، يجعله تحت تصرف جاره اذا احتاج اليه . وكانت هذه العادات سائدة حتى منتصف القرن العشرين تقريباً .
رمضان في الزبير
الاحتفال بشهر رمضان المبارك عادة معروفة في جميع أنحاء العالم الإسلامي . ويحتفل الناس به كل على طريقته الخاصة وفق تعاليم الدين الإسلامي السمحة وفي الزبير يبدأ الناس استعدادهم لاستقال هذا الشهر الكريم قبل مدة من حلوله فيقومون بشراء المواد الغذائية الخاصة بهذا الشهر الكريم لتنظيفها وتجهيزها كالهريس والعدس والبرغل والبهارات .
رؤية الهلال
وما ان يحل اخر يوم من شهر شعبان حتى يستعد الناس لمراقبة هلال رمضان . يصعد الرجال الى اسطح المساجد وعلى المآذن كما تصعد النساء والاطفال الى اسطح المنازل . وما ان تثبت رؤية الهلال شرعاً حتى يقوم ابو طبيلة ( قارع الطبل ) بالتجول في شوارع البلدة معلناً للناس بداية شهر رمضان . وفي هذا الشهر الكريم يحرص الناس على تأدية جميع الصلوات في المساجد كما تؤدي بعض النساء صلاة التراويح والقيام في المساجد ايضاً ويجتهد الجميع بما فيهم صغار السن في قراءة القرآن وختمه . ويقوم العلماء وطلية العلم بالقاء المحاضرات والدروس في المساجد يومياً ويتبادل الناس الزيارات للتهنئة بحلوله كما يتفقد بعضهم بعضا ويحسن غنيهم الى فقيرهم .
دعوة الفقراء
جرت العادة ان يقوم بعض الأغنياء بدعوة عدد من الفقراء في مناطقهم لتناول طعام الافطار عندهم طوال ايام الشهر الفضيل ، كما يلتزمون بكسوتهم للعيد ويقوم قسم اخر من الناس بارسال طعام الافطار الى المساجد حيث يتواجد عدد من الفقراء . ويتميز طعام شهر رمضان المبارك في الزبير عن باقي ايام السنة بوجود بعض الاكلات الخاصة والمعروفة ، كالهريس والتشريب والشوربة وخبز العروق واللقيمات ( خبز العروق قطع مستديرة من العجين المخلوط باللحم المفروم والبصل تقلى بالدهن ويوضع عليها قليل من السكر المطحون ) اما اللقيمات فهي كرات صغيرة من العجين تقلى بالدهن وتحلى بمحلول السكر ( الشيرة ) ومن الاشياء المميزة لهذا الشهر وجود ( أبو طبيلة ) الذي ذكرناه والمشهور بيقاعه الخاص على الطبل في منتصف كل ليلة من ليالي رمضان لإيقاظ الناس لاعداد طعام السحور . اما الأسواق فتكون عامرة بأنواع الحلويات الخاصة برمضان كالزلابية والبقلاوة وتزدهر بعض الدواوين ( المجالس ) بالرجال والشباب وبالألعاب المميزة كلعبة ( المحيبس ) المشهورة ، ونظراً الى ما لهذا الشهر من منزلة خاصة في نفوس الناس يحرص الكثيرون على تادية جميع فروض الصلاة في المساجد كما تذهب النساء ايضا للمساجد لصلاة العشاء والتراويح والقيام بالعشر الأواخر حيث يصلين في أماكن خاصة جهزت في تلك المساجد .
ليلة النصف والقريش والقرقيعان
المقصود بليلة النصف ليلة 15 من شعبان وهي ليلة لها منزلة خاصة في الزبير لا سيم عند الأطفال فقد كانوا يحتفلون فيها ويعدون لها العدة بشراء الشموع الملونة والالعاب النارية ( عين الشمس والجراغي ) كما كان بعضهم يصنعون لعبة خاصة من نوع معين من المفاتيح يضربونها بجسم صلب فتحدث اصوات فرقعة قوية بعد ان يعبئوها بالبارود الذي يستخرجونه من اعواد الثقاب ويقضون ليلتهم يلعبون في الطرقات بالقرب من بيوتهم ثم يكملون تلك الليلة بالتجمع في احد البيوت ليكملوا سهرتهم بتناول بعض الماكولات البسيطة التي اشتروها بما جمعوه من مبالغ يدفع كل منهم ما عليه من حصة منها تسسمى ( الحطة ) وحرصا على الاهتمام بتلك الليلة وما لها من موقع في قلوب الناس فقد كان بعض الاطفال يلبسون الدشاديش ( الاثواب ) لهذه المناسبة .
القريش
من العادات التي كانت شائعة ايضا تجمع النساء على شكل مجموعات في البيوت في مختلف المناطق في اخر يوم من شهر شعبان حيث تقوم كل واحدة منهم بجلب طعام الخاص بها ويجلسن معا على مائدة طويلة تكون غالبا متنوعة الاكلات في حفلة بديعة لتوديع شهر شعبان واحتفاء باستقبال شهر رمضان المبارك وتسمى ( القريش ) .
القرقيعان
للقرقيعان اهمية كبيرة في نفوس الناس جميعا لا سيما الاطفال بنين وبنات والاحتفال بالقرقيعان هو قيام الاطفال بالتجول في الشوارع والازقة متنقلين من بيت الى بيت لجمع القرقيعان وهو عبارة عن خليط من المكسرات في اكياس معلقة في رقابهم كانت الامهات تخيطها مسبقاً لهذه المناسبة ويحملها الاطفال مرددين في تجوالهم اهازيجهم الحلوة المعروفة وهي :
قرقيعان قرقيعان
بين قصير ورمضان
عطونا الله يعطيكم
لبيت مكة يوديكم
يا مكة يا معمورة
يا ام السلاسل والذهب يا نورة
فكوا الكيس واعطونا
لو ما ( اسم الطفل ) ما جينا
يلله خله لمه
عسى البقعي ما تطمه
عاداتهم عند الموت
في الزبير اذا مات احدهم يغسل ويكفن وفق الشريعة الإسلامية وأول عمل يقوم به اهل الميت احضار المغسل ( طاولة من الخشب البسيط يحمل عليها الميت ) والنعش : نقالة من الخشب البسيط يحمل عليه الميت والمغسل والنعش هما عادة يكونان موجودين في اكثر المساجد لاستعمالها حين الحاجة يصنعهما اهل الخير على حسابهم ويضعونها تحت تصرف الجميع ابتغاء ثواب الله كما يحضرون الكفن ومستلزماته من اناس اشتهروا بتجهيزه ويجب ان لا ننسى ان خياطة الكفن تقوم به مجموعة من النساء الكبيرات في السن حيث يسرن الى بيت المتوفي فور سماعهن بخبر الموت من اجل كسب الثواب بعد ذلك يبلغ مختار ( العمدة ) المنطقة بالوفاة ليقوم بدوره بابلاغ اهالي المنطقة ( الرجال فقط ) بالوفاة واعلامهم بموعد الدفن حيث يجتمعون امام منزل المتوفى والحضور ليس ملزما للجميع وبعد غسله وتكفينه يحملونه على الاكتاف الى المسجد وغالباً ما كان مسجد ( الدوازة ) لموقعه وسط السوق ولقربه من المقبرة فيصلون عليه ثم يذهبون به الى المقبرة لدفنه .. وكان معظم الزبيريين و لا يزالون يحرصون على الذهاب الى المقبرة مع كل ميت لكسب الثواب بعد الدفن .
يقف اقاربه صفا واحداً لتلقي التعازي من المشيعين ، ويجدر التنويه الى ان الزبيريين لا يحرصون على وضع العلامات الفارقة او البنيان على القبور تيمنا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( رحم الله اهل القبور الدارسة ) اما النساء فلا يخرجن الى المقبرة ولا يظهرن من الحزن الا القليلفلا صراخ ولا عويل ولا نواح او لطم على الخدود فهذه كلها عادات غير معروفة في الزبير .. وجرت العادة ان يقوم جيران اهل الميت بطبخ طعام الغداء وتقديمه اليهم لمدة ثلاثة ايام فقط تيمناً بعمل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما امر اهله ان يصنعوا طعاما لأهل جعفر بن ابي طالب وقال ( اصنعوا الطعام لآل جعفر فقد اتاهم ما يشغلهم ) .
التداوي
كان اهالي الزبير كغيرهم من سكان المناطق الاخرى يعتمدون في التداوي على الطب العربي القديم ويتعالجون من الامراض بوسائل خاصة الفوها وتوارثوها كان يقوم بدور الطبيب بعض الشيوخ والعجائز الذين كانوا يعالجون مرضاهم بوصف بعض انواع الحشائش والاعشاب البرية وتركيبها وقد اشتهر كثير من هؤلاء في معالجة العظام وتجبيرها كما كان الكي وقراءة بعض الايات القرانية والادعية هو نوع اخر من انواع العلاج وخاصة في الامراض العصيبة حيث كانوا يعالجونها بقراءة بعض الايات القرانية والادعية على المريض نتيجة لانعدام التشخيص وعدم وجود الادوية فقد كانت الامراض وخاصة المعدية منها تجتاح المناطق بين حين واخر وتنتشر بين الناس كانتشار النار في الهشيم وتفتك بهم واهم تلك الامراض الجدري والسل والكوليرا اضافة الى الامراض المنتشرة الاخرةى كالرمد والسعال الديكي وغيرهما وقد اشتهر بالطب القديم اناس كثيرون تخصصوا في انواع الامراض وعلاجها ومنهم السيد مثال المطيري والسيد حسن المبيض والسيد حمود المحيسن والسيد زامل المسفر كما اشتهر السيد جاسم الشريدة بامراض الاسنان وقلعها اما عملية الختان ( التطهير ) فقد كان يقوم بها بها اكثر الحلاقين واشهرهم السيد عبد القادر المزن وجاسم العوام وقد استمرت هذه الحالة الى سنة 1915م حيث افتتح في الزبير اول مستوصف حكومي وكان ذلك في شهر تموز وكانت امراض العيون هي الشائعة في ذلك الوقت ، ونتيجة لقلة المراجعين فقد اغلق واعيد فتحه اكثر من مرة كان اخرها فتحه بصورة منتظمة في شهر تموز من عام 1921م ونتيجة لانتشار المستوصفات الحكومية التدريجي قل استعمال الطب العربي القديم وبدا الناس من تلقاء انفسهم ي1ذهبون للتلقيح ضد الامراض السارية وانتشر الوعي الصحي بينهم .
القنص
من المعروف لاكثر الناس هوايات مفضلة يمارسونها سواء اكانت للرياضة ام لقضاء الوقت وتنمية المواهب والقنص ( الصيد البري ) هو احد هذه الهوايات التي ولع بها بعض اهالي الزبير ولعا كبيراً يخرجون الى الصحراء متحملين جمي انواع المتاعب في سبيل اشباع رغباتهم بهذه الهواية المحببة اليهم منهم من كان يخرج للقنص ليوم واحد فقط وبعضهم من يبقى اياما عديدة وقد تصل الى الشهر او اكثر لم تكن هذه الهواية جديد عليهم فقد كانوا قديما يخرجون الى القنص على ظهور الخيول والجمال ويستعملون في صيدهم البنادق النارية والصقور والكلاب السلوقية التي تستعمل لصيد الظباء والأرانب اما الصقور فكانت الحبارى وكانوا يقومون بترويض هذه الحيوانات وتدريبها وللقنص مناطق خاصة يكثر فيها الصيد وقديما اشتهرت مناطق ( العوجة والطيب واجربيعات وابو خويمة والدكاك والعذبى والبطني وبنايا المشري وكابدة ) وغيرها الكثير .. وللصيد مواسم ايضا فالظباء تكثر في فصل الصيف حيث يكمنون لها عند موارد المياه والارانب في ليالي الصيف المقمرة اما الحبارى وباقي انواع الطيور فتكثر في فصل الربيع .. وقد تقلصت هواية الصيد حالياً بشكل ملحوظ منها قلة الصيد في المناطق القريبة من المدن بسبب كثرة الاسلحة النارية ووجود السيارات وانتشارها في كل مكان مما ساعد على قتل اعداد كبيرة من الحيوانات البرية وسبب منع الحكومة الصيد حفاظا على تلك الانواع من الطيور والحيوانات من الانقراض .
ركب الحجيج
من عادات اهل الزبير القديمة الاحتفال بتوديع الحجاج واستقبالهم وجرت العادة ان يبدا الاستعداد لتلك الرحلة قبل مدة ليست بالقصيرة يقوم من نوى الحج بتجهيز ما يحتاج من ماكل وملبس ووسيلة نقل بالاضافة الى انهاء جميع ما له وما عليه من التزامات مادية وغيرها مع الآخرين الى غير ذلك من الأمور الاخرى وكما ان للسفر استعدادته فالقدوم له ايضا استعدادات اخرى حيث يحتفل الناس بعودة الحجاج بزيارة بيوتهم ويقدمون لهم التهاني بسلامة العودة والطلب الى الله عز وجل ان يتقبل حجتهم ويغفر لهم ذنوبهم وبهذه المناسبة يوزع الحجاج هداياهم التي جلبوها من الاراضي المقدسة وغالبا ما تكون سجاجيد الصلاة او المساويك اوالمسابيح وماء زمزم وغيرها من لعب الاطفال .
ختام القول
مهما قيل ويقال في الرخاء الاقتصادي والتقدم العلمي بوسائل الراحة التي اتيحت لنا في كل مرافق الحياة يبقى الحنين الى الماضي امرا محببا الى النفس لا لأننا افتقدناه بل لأنه يذكرنا بجزء عزيز وغال من حياتنا وعادات وتقاليد تبدو مرتبطة بنا تشدنا الىالماضي او الى ايام الطفولة والشباب ومن منا لا يحب ان يعود الى تلك الايام .
ذكريات الانسان محببة الى نفسه وغالبا ما يتذكرها عندما يكون وحيداً ولكن النسيان الذي يخيم على رؤوسنا يكون واحياناً نعمة احيانا غير ذلك ولأننا لا نستطيع ان نتذكر كل ما نريده فإننا نحتاج الى من يذكرنا به وهذا ما قصدناه بالروع الى الماضي وازحنا الغبار عن جزء منه واكاد اسمع الكبار من القراء وهم يقرأون يرددون ( الله الله يا زمان ، رحم الله تلك الايام ذهبت ولن ترجع ) .
هوامش
* كتاب ( لمحات من ماضي الزبير ) لمؤلفه الاستاذ محمد بن سعد الرقراق .
* (مدينة الزبير في صور ) لمؤلفه الاستاذ محمد بن عبد المجيد الحميدان -----
الأستاذ / صالح الذكير ( رحمه الله )
الاثنين 8 ربيع الاخر 1421هـ