العصر الجاهلي
المقصود بالجاهلية وحياة العرب في العصر الجاهلي
معنى الجاهلية:
نعني بالعصر الجاهلي تلك الفترة التي سبقت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واستمرت قرابة قرن ونصف من الزمان .
وقد سُميّ هذا العصر بالجاهلي لما شاع فيه من الجهل ، وليس المقصود بالجهل الذي هو ضد العلم بل الجهل الذي هو ضد الحلم . إنّ كلمة (جَهِلَ) في اللغة تأتي بمعنى (لم يعلم) وتأتي بمعنى (سَفِهَ أو خَرج بالغضب من عِقال الحلم) .
يقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ::~:: فنجهلُ فوق جهلِ الجاهلينَ
ويقول الفَرزدق:
أحلامُنا تزِنُ الجبال رَزَانةً ::~:: وتخالُنا جِنّاً إذا ما نجهلُ
ويقول جرير:
أحلامُنا تَزنُ الجبال رَزَانةً ::~:: ويفوقُ جاهِلنا فِعالِ الجُهّلِ
ومن الواضح أن الجهل الوارد في هذه النصوص لا يعني ضد العلم ، ولكنه يعني السفّه والطيش والنّزق .
حياة العرب في العصر الجاهلي:
1- البيئة الجغرافية:
شبه جزيرة العرب صحراوية في معظمها ، يسود أرضها الجفاف ، ولكن حين تحظى بمطر أو ينبوع يتحول بعض أجزائها روضاتٍ بهيجة تسر الناظرين .
ولاشك أنّ الإنسان هو ابن الأرض ، تطبعهُ بِطِباعها ، وتلون أخلاقه ومزاجه وعاداته بلون تضاريسها ومناخها ، حتى لقد قال أحد علماء الاجتماع: صفوا لي طبيعة أرضٍ أصف لكم سكانها . ومن هنا فقد طبعت الصحراء أخلاق العرب بطباعها ، فتحلّوا منذ القدم بالشهامة والكرم والوفاء والنجدة وحب الحرية وإباء الضيم وكراهة الخسّة والصغّار .
2- الحياة الاجتماعية والأخلاقية:
كان عرب الجاهلية فريقين: أهل الحضر ، وكانوا قلّة ، وأهل البادية ، وهم الكثرة .
أما الحضر ، فكانوا يعيشون في بيوت مبنية مستقرة ، ويعملون في التجارة وبعض الزراعة والصناعة ، ومن أولئك الحضر سكان مدن الحجاز ، وسكان مدن اليمن ، ومن أشهر حضر الجاهلية سكان مكة . وهم قريش وأحلافها .
أما أهل البادية أو أهل الوَبَر ، فكانت حياتهم حياة ترحال وراء منابت العشب ، لأنهم يعيشون على ما تنتجه أنعامهم .
وكانت لعرب الجاهلية أخلاق كريمة ، تمّم الإسلام مكارمها وأيدها . ولهم أخلاق ذميمة أنكرها الإسلام وعمل على محوها .
فمن أخلاقهم الكريمة: دق والوفاء والنجدو وحماية الذمار(1) . ومنها الجرأة والشجاعة والعفاف واحترام الجار والكرم . أما عاداتهم الذميمة فكان منها الغزو والنهب والسلب ، والعصبية الجاهلية ، ووأد البنات وشرب الخمر ، ولعب القمار .
وكل ما سجّله التاريخ من عادات العرب وتقاليدهم وأيامهم في حالتي سلمهم وحربهم تجده مدوّناً في أشعارهم ، فإذا إردت أن تعرف خلة أو عادة أو غير ذلك فعليك بالشعر فإنه ديوان العرب .
3- الحياة السياسية:
كان العرب من حيث حياتهم السياسية قسمين: قسماً لهم مسحة سياسية ، وهؤلاء كانوا يعيشون في مدن مثل مكة وإمارات مثل إمارة المناذرة وإمارة الغساسنة في شمال الجزيرة ، وإمارة كندة في وسطها ، وإمارة سبأ وحمير في جنوبها ، وهذه الإمارات تنافست في جذب الشعراء والخطباء ، كلٌ يريد تخليد ذكره وشيوع مآثره ، مما جعلهم يجزلون العطاء كلما أجاد الشعراء .
أما القسم الآخر من العرب فلم يكن لهم وضع سياسي ، وإنما كانوا قبائل من البدو الرحّل ، وتخضع كل قبيلة لشيخها الذي يكون عادةً فارساً وسيداً يتحلى بالمثل العليا من كرم ، وإقدام ونجدة ، وفصاحة ، وكان لكل قبيلة مقاتلوها ، وشعراؤها ، وخطباؤها الذين يلّبون حاجة قبائلهم في السلم والحرب .
4- الحياة الدينية:
كان معظم العرب وثنيين يعبدون الأصنام ، ومن أصنامهم (هُبَل واللات والعزّى ومناة) هذا إلى جانب أصنام خاصة يقتنونها في المنازل ، وكان أحدهم ربما صنع له صنماً من التمر أو العجوة ، فإذا جاع أكله . ومن العرب من عَبد الشمس والقمر والنجوم ، ومنهم من عَبد النار .
وكان قليل من العرب يعتنقون اليهودية والنصرانية ، لكنهم لم يكونوا على بصيرة بحقائق الدين ، على أن فئة من العقلاء لم تعجبهم سخافات الوثنية فعدلوا عن الأصنام وعبدوا الله على ملّة إبراهيم عليه السلام ، وكانوا يسمّون الحنفاء ، وقد سجّل تاريخ الأدب كثيراً من شعر الحنفاء .
5- الحياة العقلية:
كان للجاهليين ثقافات وعلوم ، لكنها محدودة تتناسب وبيئة الصحراء وعقليّة الأميين ، ومن أهم ثقافاتهم وعلومهم ما يلي:
أ) الأدب وفصاحة القول: وقد تحداهم القرآن الكريم في أخص خصائصهم وهي البلاغة ، فقال تعالى: " وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 23" سورة البقرة .
ب) الطب: فقد تداووا بالأعشاب والكيّ وربما أدخلوا العرافة والشعوذة في طبهم ، وقد أبطل الإسلام طب العرافة والشعوذة وأقرّ الدواء .
ج) القيافة: وهي إما قيافة أثر أو قيافة بشر . فبالأولى كانوا يستدلون بوقع القدم على صاحبها ، وبالثانية يعرفون نسب الرجل من صورة وجهه ، وكانوا يستغلونها في حوادث الثأر والانتقام .
د) علم الأنساب: وكان بمثابة علم التاريخ ، فقد كانت كل قبيلة تعرف نسبها وأنساب غيرها ، وتعرف الأيام والمعارك التي دارت بين العرب .
هـ) الكهانة والعرافة: وهذا العلمان أبطلهما الإسلام وتوعّد من يأتي كاهناً أو عرّافاً ؛ لأنهما يدعيان العلم بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى .
و) النجوم والرياح والأنواء والسحب: حيث كانوا يستعينون بها لمعرفة مواقعهم في السفر وتحديد الطرق ، ومعرفة موعد سقوط المطر وأوقات الزرع ، وتحديد موعد الرحيل . وقد أنكر الإسلام التنجيم وهو ادعاء علم الغيب بطريق النجوم .
6- أسواق العرب:
كان للعرب أسواق كثيرة في نجد والحجاز واليمن وحضرموت . وأشهر تلك الأسواق ثلاثة ، وكانوا يجتمعون فيها في أوقات معينة ، ويمتد اجتماعهم فيها من أول ذي القعدة ويستمر إلى أن يتوجهوا إلى الحج . وتلك الأسواق هي: (سوق عكاظ ، وسوق مِجنّة ، وسوق ذي المجاز) .
ولم تكن تلك الأسواق للتجارة فحسب . بل كانت ...
• للتحكيم في الخصومات ومفاداة الأسرى ,
• التشاور في المهمات .
• المفاخرة بالشعر والخطب .
• بث الِآراء الإصلاحية من دينية وأخلاقية .وكان من أشهر المحكمين في الشعر (النابغة الذبياني) ، فقد كانت تُنصب له خيمة من جلدٍ أحمر في عكاظ ، ويعرض عليه الشعراء أشعارهم .
وكان لتلك الأسواق آثار عظيمة في اللغة العربية والأدب العربي ، وأهم تلك الآثار أنها عملت على تقريب لهجات القبائل ؛ لأن الجميع كانوا يتخاطبون بلغة واحدة هي اللغة القرشية . وبذلك قويت لهجة قريش حتى كادت تصبح لغة العرب جميعاً ، ثم لمّا نزل القرآن الكريم أصبحت لهجة قريش هي المعروفة الآن باللغة العربية الفصحى . كما أسهمت في ازدهار الأدب ؛ لأن الأدباء كانوا يحرصون على تجويد أدبهم لينالوا رضا الناس وإعجابهم .
**********************************

hguwv hg[higd